محمد بن جرير الطبري
296
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقوله : ( بادي الرأي ) ، اختلفت القراء في قراءته . فقرأته عامة قراء المدينة والعراق : ( بَادِيَ الرَّأْيِ ) ، بغير همز " البادي " وبهمز " الرأي " ، بمعنى : ظاهر الرأي ، من قولهم : " بدا الشيء يبدو " ، إذا ظهر ، كما قال الراجز : ( 1 ) أَضْحَى لِخَالِي شَبَهِيَ بَادِي بَدِي . . . وَصَارَ لِلْفَحْلِ لِسَانِي وَيَدِي ( 2 ) " بادي بدي " بغير همز ، وقال آخر : وقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بادِي بَدِي ( 3 ) * * * وقرأ ذلك بعض أهل البصرة : ( بَادِئَ الرَّأْيِ ) ، مهموزًا أيضًا ، بمعنى : مبتدأ الرأي ، من قولهم : " بدأت بهذا الأمر " ، إذا ابتدأت به قبل غيره . * * * قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ : ( بَادِيَ الرَّأْيِ ) بغير همز " البادي " ، وبهمز " الرأي " ، لأن معنى ذلك الكلام : إلا الذين هم أراذلنا ، في ظاهر الرأي ، وفيما يظهر لنا . * * * وقوله : ( وما نرى لكم علينا من فضل ) ، يقول : وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له ، فنتبعكم
--> ( 1 ) أبو نخيلة السعدي . ( 2 ) هذا الرجز والذي يليه ، من رجز أبي نخيلة السعدي ، لا شك في البيت الثاني منهما ، أما الأول فإني أرتاب في صحة إنشاده ، على الوجه الذي أنشده الفراء في معاني القرآن . وقد خرج هذا الرجز ، صديقنا وشيخنا عبد العزيز الميمني الراجكرتي في سمط اللآلئ : 293 ، 480 ، وفي اللسان ( ذرأ ) ، وتهذيب إصلاح المنطق 2 : 32 ، وسيبويه 2 : 54 ، ونوادر اليزيدي : 128 ، والأغاني ( ساسي ) 18 : 151 ، وتاريخ ابن عساكر 2 : 321 = وأزيد ، تاريخ الطبري 9 : 273 ، والمعاني الكبير : 1223 ، والفراء في معاني القرآن ، ومجاز القرآن 1 : 288 ، واللسان ( بدا ) ، والأبيات هي : كَيْفَ التَّصَابِي فِعْلَ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ . . . وَقَد عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بَادِي بَدى وَرَثْيَةٌ تَنْهَضُ في تَشَدُّدِي . . . بَعْدَ انْتِهَاضِي في الشَّبَابِ الأمْلَدِ وَبَعْدَ مَا أَذْكُرُ مِنْ تَأَوُّدِي . . . وَبَعْدَ تَمْشَائِي وتَطْوِيحِي يَدِي وَمِشْيَتِي تَحْتَ الغُدَافِ الأسْوَدِ وذكرها صاحب اللسان في ( بدا ) ، والتبريزي في تهذيب إصلاح المنطق ، وزاد بعد قوله " ورثية تنهض في تشددي وصار للفحل لساني ويدي أما البيت الأول ، فلم أجده في مكان ، وأخشى أن تكون " بادي بدى " فيه ، موضوعة مكان كلمة أخرى ، ولا شك أن موضع هذين البيتين ، ليس في الموضع الذي وضع أحدهما فيه صاحب اللسان والتبريزي . ( 3 ) انظر التعليق السالف . و " الذرأة " ( بضم فسكون ) ، الشيب في مقدم الرأس .